تصلُّب الشرايين هو مرض يحدث نتيجة تراكم اللويحات داخل جدران الشرايين تدريجيًا. والشرايين هي الأوعية الدموية المسؤولة عن نقل الدم الغني بالأكسجين إلى مختلف أعضاء الجسم وأنسجته.
وتُعرف المادة المتراكمة داخل جدار الشريان باسم العَصيدة (Atheroma)، وهي مزيج يتكوّن من الكوليسترول والدهون والكالسيوم ومواد أخرى. ومع مرور الوقت، يمكن أن يزداد حجم هذه الترسبات، الأمر الذي يؤدي إلى تضيق الوعاء الدموي والحد من كمية الدم التي تصل إلى الأنسجة.
وعلاوةً على ذلك، فإن تراكم اللويحات العصيدية (Plaque) يؤدي إلى زيادة سماكة جدار الشريان وفقدانه جزءًا من مرونته. وفي المراحل المبكرة، قد تستمر هذه العملية دون ظهور علامات واضحة؛ لذلك، يمكن أن يظل المرض غير ملحوظ لسنوات.
ومع نمو اللويحة، يضيق تجويف الشريان (Lumen)، وهو الممر الداخلي الذي يعبر من خلاله الدم. ونتيجةً لذلك، تصبح كمية الدم المتدفقة إلى العضو المعني أقل، وقد تظهر الأعراض بحسب موقع الشريان ومدى التضيق.
إضافةً إلى ذلك، قد تتعرض اللويحة للتآكل أو التمزق، مما يؤدي إلى تنشيط عملية تخثر الدم وتكوين خثرة دموية (Blood clot/Thrombus) داخل الشريان. وبناءً على ذلك، قد يحدث انسداد جزئي أو كامل، وتختلف المضاعفات تبعًا لمكان الوعاء الدموي المصاب.
فعلى سبيل المثال، إذا انسدت إحدى الشرايين التاجية (Coronary arteries)، يقل وصول الدم المحمل بالأكسجين إلى عضلة القلب، وقد ينتج عن ذلك احتشاء عضلة القلب (Myocardial infarction)، المعروف بالنوبة القلبية.
ما مدى شيوع تصلُّب الشرايين؟
يُعد تصلُّب الشرايين من الحالات المرضية الشائعة، كما ترتبط مضاعفاته، مثل النوبات القلبية والسكتات الدماغية، بأعداد كبيرة من حالات الوفاة حول العالم.
وبحسب المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة (NIH)، تشير التقديرات إلى أن نحو نصف الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و84 عامًا قد تكون لديهم درجة من تصلب الشرايين دون أن يدركوا ذلك. ويرجع ذلك، إلى حد كبير، إلى أن المرض قد يتطور بصمت قبل أن تظهر أعراض واضحة.
أقرأ أيضًا: التهاب الأذن الوسطى وأهم طرق التشخيص والعلاج
في كثير من الحالات، لا يشعر المريض بشئ حتى يضيق الشريان أو ينسد. وتختلف العلامات بحسب العضو الذي تغذيه الشرايين المصابة.
القلب
قد يحدث مرض الشريان التاجي (Coronary Artery Disease – CAD). وفي هذه الحالة، قد يؤدي انخفاض تدفق الدم إلى ظهور أعراض الذبحة الصدرية أو، في الحالات الشديدة، إلى الإصابة بنوبة قلبية.
وقد تشمل الأعراض:
- ضيق التنفس (Dyspnea) وعدم الشعور بالراحة وألم في الصدر وقد يعرف بالذبحة الصدرية.
- الدوخة وخفقان بالقلب، والإحساس بالتعب والإرهاق.
- الغثيان أو القيء، والشعور بعسر الهضم.
الساقان والقدمان (مرض الشرايين المحيطة):
ألم عضلي عند المشي ويزول بالراحة وتحدث برودة في القدمين ويتغير لونهما مع عدوى متكررة وظهور تقرحات.
الجهاز الهضمي
من ناحية أخرى، يمكن أن يؤدي ضعف تدفق الدم إلى الأمعاء إلى حدوث نقص التروية المساريقية (Mesenteric Ischemia).
ويظهر فيها ألم في البطن بعد الاكل، انتفاخ وإسهال، وفقدان الوزن لأن المريض يتجنب الطعام خوفًا من الألم ويسمى احيانًا ب (رهاب الطعام).
الكليتان
إذا حدث تضيق في الشرايين التي تمد الكليتين بالدم، وهي الحالة المعروفة باسم تضيّق الشريان الكلوي (Renal Artery Stenosis)، فقد تتأثر وظيفة الكلى أو يصعب التحكم في ضغط الدم.
وقد تظهر بعض العلامات، مثل:
- ارتفاع ضغط الدم، خاصةً إذا كان شديدًا أو يصعب التحكم فيه رغم استخدام العلاج.
- تغيرات في التبول.
- تورم أو وذمة (Edema).
- التعب أو النعاس.
- جفاف الجلد أو الحكة.
- الصداع.
- فقدان الوزن غير المبرر.
- الغثيان أو القيء.
- انخفاض الشهية.
الدماغ
وعلى صعيد آخر، قد يؤثر تصلب الشرايين في الأوعية التي تغذي الدماغ، ومن أهم الحالات المرتبطة بذلك مرض الشريان السباتي (Carotid Artery Disease).
وقد تكون إحدى العلامات المبكرة نوبة نقص التروية العابرة (Transient Ischemic Attack – TIA) أو السكتة الدماغية (Stroke)، وتشمل الأعراض المحتملة:
- الدوخة أو فقدان التوازن.
- تدلي أحد جانبي الوجه.
- ضعف أو خدر مفاجئ في أحد جانبي الجسم.
- صداع شديد ومفاجئ، خاصةً إذا كان غير معتاد.
- صعوبة الكلام أو عدم القدرة على تكوين الكلمات بصورة صحيحة.
- اضطراب أو فقدان الرؤية في إحدى العينين، وقد يوصف أحيانًا بأنه الشعور بوجود ستار أو ظل داكن أمام مجال الرؤية.
ملاحظة مهمة: ظهور ضعف مفاجئ في أحد جانبي الجسم، أو اضطراب الكلام، أو فقدان الرؤية المفاجئ، يستدعي طلب المساعدة الطبية الطارئة فورًا، لأنها قد تكون علامات على السكتة الدماغية.
أقرأ أيضًا: فيتامين ب6 وأعراض نقصه، و7 فوائد صحية

ما أسباب تصلُّب الشرايين وعوامل خطره؟
ينتج تصلب الشرايين عن عملية معقدة تشمل إصابة بطانة الأوعية الدموية، والالتهاب، وتراكم الدهون داخل جدار الشريان. وهناك عدة عوامل يمكن أن تزيد احتمالية حدوث هذه العملية، ومن أبرزها:
- ارتفاع مستويات كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL).
- ارتفاع الدهون الثلاثية.
- التدخين واستخدام منتجات التبغ.
- ارتفاع ضغط الدم.
- داء السكري.
وتؤدي هذه العوامل إلى إجهاد أو تلف البطانة الداخلية للشرايين (Endothelium)، وهي الطبقة التي تغطي السطح الداخلي للأوعية الدموية. وبعد حدوث هذا الضرر، تبدأ سلسلة من التفاعلات الالتهابية والمناعية التي تساهم تدريجيًا في تكوين اللويحات.
ومع استمرار التعرض لعوامل الخطر، قد تتطور التغيرات داخل جدار الشريان على مدى سنوات، قبل أن تصبح واضحة من الناحية السريرية.
ما مراحل تصلُّب الشرايين؟
يتطور تصلب الشرايين بصورة تدريجية، ولا يحدث عادةً خلال فترة قصيرة. ويمكن تلخيص المراحل الرئيسية للعملية المرضية فيما يلي:
1. تضرر البطانة والاستجابة المناعية
في البداية، يؤدي حدوث خلل أو ضرر في البطانة الداخلية للشريان إلى تنشيط مجموعة من الإشارات الكيميائية. ونتيجةً لذلك، تنتقل خلايا الدم البيضاء إلى المنطقة المتأثرة، وتبدأ استجابة التهابية داخل جدار الوعاء الدموي.
2. تكوّن الخط الدهني
بعد ذلك، يبدأ ظهور الخط الدهني (Fatty Streak)، وهو أحد أقدم التغيرات المرئية المرتبطة بتصلب الشرايين.
وتتجمع في هذه المرحلة خلايا مناعية تُعرف باسم الخلايا البلعمية، والتي تلتهم جزيئات الكوليسترول وتتحول إلى ما يُسمى الخلايا الرغوية (Foam Cells). ومع تراكم هذه الخلايا، يصبح الخط الدهني أكثر وضوحًا، وقد يستمر الالتهاب داخل جدار الشريان.
3. نمو اللويحة العصيدية
مع استمرار تراكم الدهون والخلايا الرغوية والحطام الخلوي، يتطور الخط الدهني إلى لويحة عصيدية (Atherosclerotic Plaque) أكثر حجمًا.
وفي الوقت نفسه، تساهم خلايا العضلات الملساء في تكوين غطاء ليفي فوق اللويحة. ويساعد هذا الغطاء على عزل محتوياتها عن مجرى الدم. ومع زيادة حجم الترسب، يبدأ تجويف الشريان في التضيق، مما قد يحد من تدفق الدم.
4. تمزق اللويحة أو تآكلها وتكوّن الخثرة
في بعض الحالات، تصبح اللويحة غير مستقرة وقد تتعرض للتمزق أو التآكل. وعند حدوث ذلك، تتفاعل مكونات اللويحة مع الدم، مما يؤدي إلى تنشيط الصفائح الدموية وعوامل التخثر.
وبناءً على ذلك، قد تتكون خثرة دموية (Thrombus) داخل الشريان. وإذا أصبحت الخثرة كبيرة بما يكفي لإعاقة تدفق الدم، فقد ينتج عنها انسداد حاد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، مثل النوبة القلبية أو السكتة الدماغية.
ما الإجراءات الطبية أو الجراحية المستخدمة لعلاج تصلُّب الشرايين؟
يعتمد اختيار العلاج على موقع التضيق أو الانسداد وشدته، والأعراض التي يعاني منها المريض، ومدى تأثير الحالة في تدفق الدم، بالإضافة إلى خطر حدوث المضاعفات.
وفي بعض الحالات، يمكن السيطرة على المرض من خلال تعديل نمط الحياة والأدوية. أما عند وجود تضيق شديد أو انسداد مؤثر في تدفق الدم، فقد يوصي الطبيب بإجراء تدخل طبي أو جراحي.
ومن أبرز الإجراءات المستخدمة:
رأب الوعاء الدموي (Angioplasty)
إجراء يتم خلاله إدخال قسطرة إلى الشريان المتضيّق، ثم استخدام بالون لتوسيع المنطقة الضيقة وتحسين مرور الدم. وفي بعض الحالات، يتم تركيب دعامة بعد ذلك للمساعدة في إبقاء الشريان مفتوحًا.
استئصال العصيدة (Atherectomy)
يهدف هذا الإجراء إلى إزالة أو تفتيت جزء من اللويحة المتراكمة داخل الشريان، وبالتالي المساعدة في تحسين تدفق الدم في الحالات المناسبة.
استئصال باطنة الشريان السباتي (Carotid Endarterectomy)
يُستخدم هذا الإجراء لإزالة اللويحات من داخل الشريان السباتي. وقد يكون مناسبًا لبعض المرضى الذين لديهم تضيق مهم في الشريان السباتي، بهدف تحسين تدفق الدم وتقليل خطر السكتة الدماغية.
تركيب الدعامة (Stent Placement)
الدعامة عبارة عن شبكة صغيرة تُوضع داخل الشريان بعد توسيعه في بعض الحالات. وتساعد على إبقاء الوعاء الدموي مفتوحًا والحفاظ على تدفق الدم.
جراحة مجازة الشريان التاجي (Coronary Artery Bypass Grafting – CABG)
في هذه الجراحة، يُنشأ مسار بديل لتدفق الدم حول الشرايين التاجية المتضيقة أو المسدودة، مما يسمح للدم بالوصول إلى عضلة القلب عبر طريق آخر.
المجازة الشريانية الطرفية (Peripheral Artery Bypass)
يتم إنشاء مسار بديل حول منطقة الانسداد أو التضيق الشديد في أحد الشرايين الطرفية، بهدف استعادة تدفق الدم إلى الطرف المصاب.
جراحة مجازة الأوعية الدموية (Vascular Bypass)
بصورة عامة، تهدف جراحة المجازة الوعائية إلى إنشاء مسار جديد يسمح للدم بتجاوز منطقة الانسداد أو التضيق الشديد، ويُحدد نوع العملية وفقًا لمكان الإصابة وحالة المريض.
الخلاصة
يُعد تصلُّب الشرايين عملية مرضية تدريجية قد تبدأ دون أعراض واضحة، ثم تتطور مع مرور الوقت نتيجة تراكم اللويحات داخل جدران الشرايين.
لذلك، فإن اكتشاف عوامل الخطر والسيطرة عليها يمثلان جزءًا أساسيًا من الوقاية والعلاج. ويشمل ذلك التحكم في مستويات الكوليسترول وضغط الدم وسكر الدم، والتوقف عن التدخين، إلى جانب اتباع نمط حياة صحي وفقًا لتوصيات الطبيب.
وعندما يؤدي التضيق أو الانسداد إلى ضعف واضح في تدفق الدم أو ارتفاع خطر حدوث مضاعفات، يمكن استخدام إجراءات مثل رأب الوعاء وتركيب الدعامات أو بعض أنواع جراحات المجازة، بحسب موقع الإصابة والحالة الصحية للمريض.
وبذلك، يتركز الهدف الأساسي من التعامل مع تصلب الشرايين على إبطاء تطور اللويحات، وتقليل خطر تكوّن الخثرات، والوقاية من النوبات القلبية والسكتات الدماغية، والحفاظ على تدفق الدم إلى الأعضاء والأنسجة قدر الإمكان.
المصادر:
https://my.clevelandclinic.org/health/diseases/16753-atherosclerosis-arterial-disease
https://www.nhlbi.nih.gov/health/atherosclerosis
https://medlineplus.gov/atherosclerosis.html

GIPHY App Key not set. Please check settings
3 Comments