
متلازمة ريت (Rett Syndrome) هي اضطراب عصبي نمائي وراثي نادر يؤثر بصورة أساسية في الفتيات، ويؤدي إلى فقدان تدريجي لبعض المهارات التي اكتسبها الطفل خلال السنوات الأولى من العمر، مثل الكلام واستخدام اليدين بصورة هادفة، مع ظهور حركات متكررة وغير إرادية لليدين ومجموعة من الأعراض العصبية والحركية.
ورغم أن الطفل قد يبدو طبيعيًا خلال الأشهر الأولى من حياته، تبدأ علامات المتلازمة عادة بعد ذلك بفترة من التطور الطبيعي أو شبه الطبيعي، يليها توقف في اكتساب بعض المهارات ثم مرحلة من التراجع النمائي. لذلك، سنتناول في هذا المقال متلازمة ريت بالتفصيل، من حيث أسبابها وأعراضها ومراحل تطورها، وكيفية تشخيصها، وأهم طرق العلاج والتعامل مع الأعراض والمضاعفات.
ما هي متلازمة ريت؟
متلازمة ريت هي اضطراب في النمو العصبي يرتبط في معظم الحالات بوجود تغير مرضي في جين MECP2 الموجود على كروموسوم X. يؤثر هذا الجين في تنظيم نشاط عدد كبير من الجينات المهمة المسئولة عن نمو الجهاز العصبي ووظائفه.
وتظهر المتلازمة غالبًا لدى الفتيات، بينما يمكن أن تحدث اضطرابات مرتبطة بجين MECP2 لدى الذكور أيضًا، ولكن بصورة مختلفة وقد تكون شديدة في بعض الحالات.
ولا تعني الإصابة بوجود طفرة في جين MECP2 وحدها أن الطفل مصاب بالضرورة بمتلازمة ريت الكلاسيكية؛ إذ يعتمد التشخيص على الصورة السريرية ونتائج الفحوص الجينية معًا.

متى تظهر أعراض متلازمة ريت؟
في متلازمة ريت الكلاسيكية، يكون نمو الطفل وتطوره خلال الأشهر الأولى من العمر طبيعيًا أو قريبًا من الطبيعي في كثير من الحالات، ثم تبدأ مرحلة من التراجع النمائي عادة خلال الطفولة المبكرة.
وقد تبدأ مرحلة التراجع في عمر يتراوح تقريبًا بين سنة و4 سنوات، وتتميز بفقدان بعض المهارات التي سبق أن اكتسبها الطفل، ثم قد تستقر الحالة بعد فترة من التراجع.
أعراض متلازمة ريت
تختلف شدة الأعراض من طفلة إلى أخرى، لكن هناك مجموعة من العلامات التي تميز المتلازمة.
1. فقدان المهارات المكتسبة
من أهم العلامات:
– فقدان جزئي أو كامل لاستخدام اليدين بصورة هادفة.
– فقدان بعض المهارات اللغوية أو الكلام.
– صعوبة في المشي أو اضطراب طريقة المشي.
– تراجع بعض القدرات الحركية والإدراكية.
ويُعد وجود فترة من التطور الطبيعي أو شبه الطبيعي يعقبها تراجع واضح من السمات المهمة التي تساعد الطبيب في الاشتباه في متلازمة ريت.
2. حركات اليد المتكررة
تُعد الحركات النمطية لليدين من العلامات المميزة للمتلازمة، وقد تظهر في صورة:
– فرك اليدين.
– غسل اليدين بصورة متكررة.
– عصر أو ضغط اليدين.
– التصفيق أو الطرق.
– وضع اليدين في الفم.
وقد تحل هذه الحركات تدريجيًا محل الاستخدام الطبيعي والهادف لليدين.
3. صغر محيط الرأس
قد يحدث تباطؤ في نمو محيط الرأس، ويظهر ذلك بصورة أوضح مع تقدم العمر مقارنة بمنحنيات النمو الطبيعية. ويُعد تباطؤ نمو الرأس من العلامات الشائعة في متلازمة ريت الكلاسيكية.
4. مشكلات الحركة والتوازن
يمكن أن يعاني الطفل من:
– صعوبة في المشي.
– اضطراب التوازن.
– الحركات غير الطبيعية.
– تيبس أو تغير في قوة العضلات.
– صعوبة في تنسيق الحركات.
وقد تتطور مشكلات في العمود الفقري، مثل الجنف، لدى بعض الأطفال.
5. نوبات الصرع
تُعد نوبات الصرع من المشكلات المصاحبة الشائعة، وقد تظهر لدى نسبة كبيرة من المصابين، ولذلك يحتاج الطفل إلى تقييم عصبي ومتابعة منتظمة عند ظهور أعراض تشير إلى وجود نوبات.
6. اضطرابات التنفس
قد تحدث اضطرابات في نمط التنفس أثناء اليقظة، مثل:
– فرط التنفس.
– حبس النفس لفترات.
– عدم انتظام التنفس.
وقد تكون هذه الأعراض متقطعة وتختلف شدتها من طفل إلى آخر.
7. اضطرابات النوم والسلوك
يمكن أن تظهر مشكلات مثل:
– صعوبة النوم.
– الاستيقاظ المتكرر.
– القلق أو التهيج.
– نوبات البكاء أو الصراخ.
– بعض السمات المشابهة لاضطرابات طيف التوحد.
وتحتاج هذه الأعراض إلى تقييم منفصل لأنها قد تؤثر بصورة كبيرة في جودة حياة الطفل والأسرة.
ما سبب متلازمة ريت؟
السبب الأكثر ارتباطًا بمتلازمة ريت هو حدوث تغير مرضي في جين MECP2.
ولا تحدث معظم الحالات نتيجة خطأ ارتكبه الوالدان أثناء الحمل أو بسبب طريقة تربية الطفل. وتكون غالبية الحالات هي حالات فردية جديدة، أي أن التغير الجيني يحدث بصورة تلقائية، وليس بالضرورة أن يكون موروثًا من أحد الوالدين.
ومتلازمة ريت من الاضطرابات المرتبطة بالكروموسوم X، ولذلك تختلف مظاهر الاضطراب بين الإناث والذكور.
كيف يتم تشخيص متلازمة ريت؟
لا يعتمد التشخيص على تحليل جيني فقط، وإنما يجمع الطبيب بين التاريخ النمائي والفحص السريري والعصبي والفحوصات الجينية.
ومن أهم العلامات التي تساعد في تشخيص المتلازمة الكلاسيكية:
1. وجود فترة من النمو والتطور ثم حدوث تراجع يتبعه استقرار أو تحسن جزئي.
2. فقدان بعض مهارات استخدام اليدين.
3. فقدان بعض مهارات الكلام أو اللغة.
4. ظهور حركات يد نمطية ومتكررة.
5. وجود اضطراب في المشي أو الحركة.

وقد يطلب الطبيب تحليلًا جينيًا للكشف عن التغيرات المرضية في MECP2.كما قد يحتاج الطفل إلى فحوص أخرى حسب الأعراض، مثل تقييم الأعصاب، وتخطيط المخ عند الاشتباه في الصرع، وتقييم النمو والتطور، وفحوص التغذية والبلع وغيرها.
هل متلازمة ريت تشبه التوحد؟
قد تتشابه بعض الأعراض، مثل صعوبات التواصل والتفاعل وبعض السلوكيات المتكررة، مع اضطراب طيف التوحد.
لكن متلازمة ريت تتميز بنمط محدد من التطور ثم فقدان المهارات، بالإضافة إلى حركات اليد النمطية واضطرابات الحركة وغيرها من العلامات العصبية.
لذلك لا ينبغي الاعتماد على عرض واحد لتحديد التشخيص، بل يجب تقييم الطفل بواسطة فريق متخصص. كما توجد اضطرابات وراثية أخرى قد تتشابه مع متلازمة ريت، مثل متلازمة أنجلمان وبعض اضطرابات النمو العصبي الأخرى.
علاج متلازمة ريت
حتى الآن يعتمد علاج متلازمة ريت بصورة أساسية على السيطرة على الأعراض ودعم قدرات الطفل وتحسين جودة حياته، ولذلك يحتاج الطفل عادة إلى فريق متعدد التخصصات.
وقد يشمل العلاج والمتابعة:
العلاج الطبيعي
يساعد على الحفاظ على الحركة وتقليل التيبس وتحسين القدرة على الحركة والوقاية من بعض المضاعفات العضلية والمفصلية.
العلاج الوظيفي
يساعد الطفل على الاستفادة من قدراته المتبقية وتطوير وسائل بديلة للتواصل والقيام بالأنشطة اليومية.

علاج النطق والتواصل
حتى عندما يفقد الطفل الكلام، يمكن العمل على تطوير وسائل تواصل بديلة، بما في ذلك وسائل التواصل غير اللفظية والتقنيات المساعدة.

علاج الصرع
إذا كان الطفل يعاني من نوبات صرع، يحدد طبيب الأعصاب العلاج المناسب وفق نوع النوبات وحالة الطفل. ولا يوجد دواء واحد مناسب لجميع الحالات.
علاج اضطرابات النوم
قد تستخدم بعض التدخلات الدوائية مثل الميلاتونين في حالات محددة وتحت إشراف الطبيب.
أقرأ أيضًا عن: النوم الصحي: الفوائد وكيفية الحصول عليه.
متابعة القلب
قد ترتبط اضطرابات MECP2 بزيادة خطر إطالة فترة QT في تخطيط القلب، لذلك قد يحتاج الطفل إلى متابعة قلبية منتظمة، كما يجب إخبار الطبيب بوجود التشخيص قبل وصف بعض الأدوية التي قد تؤثر في فترة QT.

التغذية ومتلازمة ريت
تلعب التغذية دورًا مهمًا في رعاية الأطفال المصابين بمتلازمة ريت، خاصةً أن بعض الأطفال قد يعانون من:
– صعوبة في التغذية.
– صعوبة في المضغ أو البلع.
– الإمساك.
– ضعف زيادة الوزن أو سوء التغذية.
– احتياجات غذائية مختلفة نتيجة الحالة الحركية والصحية.
وتوصي المراجع الطبية بتقييم التغذية والبلع عند وجود علامات تشير إلى صعوبة البلع، وقد يحتاج بعض الأطفال الذين يعانون من مشكلات تغذية مستمرة إلى تدخلات متخصصة، وفي الحالات الشديدة قد يحتاجون إلى التغذية عبر أنبوب وفق تقييم الفريق الطبي.
كيف تساعد التغذية؟
يجب أن يكون النظام الغذائي فرديًا ويعتمد على عمر الطفل ووزنه ونموه وقدرته على المضغ والبلع وحالته الصحية.
ومن المهم:
– متابعة الوزن والطول ومحيط الرأس ومنحنيات النمو.
– التأكد من الحصول على كمية كافية من الطاقة والبروتين.
– الاهتمام بالكالسيوم وفيتامين D وصحة العظام.
– علاج الإمساك بالتعاون مع الطبيب وأخصائي التغذية.
– تعديل قوام الطعام عند وجود صعوبة في البلع.
– تجنب إجبار الطفل على تناول الطعام.
– متابعة علامات سوء التغذية أو الجفاف.
وقد تكون متابعة التغذية مهمة بصورة خاصة عند وجود ضعف في زيادة الوزن أو مشكلات بلع؛ لأن هذه المشكلات قد تؤثر في النمو والصحة العامة.
اقرأ أيضًا عن: التغذية العلاجية لتعزيز المناعة.
هل يمكن الوقاية من متلازمة ريت؟
لا توجد طريقة معروفة للوقاية من معظم حالات متلازمة ريت، لأن غالبية التغيرات الجينية المرتبطة بها تحدث بصورة عفوية.
لكن إذا كان لدى الأسرة طفل مصاب بتغير مرضي في MECP2، فقد تكون الاستشارة الوراثية مهمة لفهم احتمالات تكرار الحالة وخيارات الفحوص الجينية في الحمل المستقبلي.ن
متى يجب استشارة الطبيب؟
ينبغي تقييم الطفل طبيًا عند ملاحظة:
– فقدان مهارة كان الطفل قد اكتسبها بالفعل.
– فقدان الكلام أو تراجع واضح في التواصل.
– توقف أو تراجع استخدام اليدين بصورة طبيعية.
– ظهور حركات متكررة وغير معتادة لليدين.
– اضطراب واضح في المشي أو التوازن.- نوبات تشنج.- اضطرابات ملحوظة في التنفس.
– صعوبة مستمرة في الأكل أو البلع.
– ضعف زيادة الوزن أو فقدان الوزن.
فقدان المهارات المكتسبة ليس أمرًا ينبغي تجاهله، ويحتاج إلى تقييم طبي مبكر لتحديد السبب ووضع خطة مناسبة للتدخل والدعم.

الخلاصة
متلازمة ريت اضطراب عصبي نمائي وراثي نادر، يظهر غالبًا لدى الفتيات، ويرتبط في معظم الحالات بتغيرات مرضية في جين MECP2. ومن أبرز سماته فقدان بعض المهارات المكتسبة بعد فترة من التطور الطبيعي أو شبه الطبيعي، مع ظهور حركات يد نمطية ومشكلات في الحركة والتواصل وقد تصاحبها نوبات صرع واضطرابات التنفس والنوم والتغذية.
ولا يقتصر التعامل مع المتلازمة على علاج دوائي واحد، بل يعتمد على فريق طبي متعدد التخصصات يضم طب الأطفال والأعصاب والعلاج الطبيعي والوظيفي وعلاج النطق والتغذية وغيرها حسب احتياجات الطفل.
كما تمثل التغذية والمتابعة المستمرة للنمو والبلع وصحة العظام جزءًا مهمًا من الرعاية الشاملة للطفل المصاب.
اقرأ أيضًا عن: متلازمة داون، أسبابها وطرق التعايش معها.
المصادر
https://www.mayoclinic.org/diseases-conditions/rett-syndrome/symptoms-causes/syc-20377227
https://link.springer.com/chapter/10.1007/978-3-031-76269-7_12

GIPHY App Key not set. Please check settings
4 Comments